تمهيد
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الرسول الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
لاشك أن الإيمان بالغيب يعتبر من أصعب الأشياء على الإنسان، وإن كان يرى أو يحس آثاره كل يوم وليلة، وهو من أجل هذا جعله الله علامة من علامات صدق المرء في إيمانه، ﴿ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾، فجعل الله سبحانه الإيمان بالغيب من أهم سمات المؤمن الصادق.
ومن الغيب، الإيمان بالجن، مسلمهم وكافرهم، مطيعهم وعاصيهم، كما جاء تفصيل ذلك في سورة الجن وسورة الأحقاف وغيرها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. والشيطان أو إبليس يعتبر أبو الجن ورأس الشر فيهم، منذ خلق الله آدم وحتى تقوم الساعة.
لا همّ لهذا المخلوق سوى التعرض لطريق الهداية بالغواية، وسد طرق الخير بعقبات الشر ﴿ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾،
﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾.
ومن أفتك الأسلحة التي يستعملها الشيطان في مواجهة الإنسان، سلاح الكيد. بقول العلامة ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان): "ومن كيد عدو الله تعالى، أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا الله تعالى سبحانه عنه بهذا فقال: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾(آل عمران 175)."
ومن مكايده أنه يسحر العقل دائماً حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء، وينفر من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له، حتى يخيّل له أنه يضره، فلا إله إلا الله.
كم فتن بهذا السحر من إنسان، وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان؟ وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة، وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة؟ وكم بهرج من الزُّيوف على الناقدين وكم روّج من الزغل على العارفين؟ فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة، وسلك بهم في سبل الضلال كل مسلك، وألقاهم من المهالك في مهلك بعد مهلك، وزيّن لهم عبادة الأصنام، وقطيعة الأرحام، ووأد البنات، ونكاح الأمهات، ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان، وأبرز لهم الشرك في صورة التعظيم، والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه وتكلمه بكتبه في قالب التنزيه، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس، وحسن الخلق معهم، والعمل بقوله ﴿ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ (المائدة 105) والإعراض عما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام في قالب التقليد، والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق والإدهان في دين الله في قالب العقل المعيشي الذي يندرج به العبد بين الناس.
فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة، وصاحب قابيل حين قتل أخاه، وصاحب قوم نوح حين أغرقوا، وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة، وصاحب الأمة اللوطية حين خسف بهم وأتبعوا بالرجم بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حين أخذوا الأخذة الرابية، وصاحب عباد العجل حين جرى عليهم ما جرى، وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر، وصاحب كل هالك ومفتون." اهـ."
هذا هو الشيطان، وتلك هي مكائده وحباله التي يتربص للعباد بها الدوائر، ويقعد لنا بها كل مرصد، فمعركتنا معه أبدية، لا نملك معها إلا اليقظة والحيطة والحذر ثم الإعداد وجمع ما يلزم من عتاد للدخول فيها لنبحث عن أسباب النصر فنحققها في أنفسنا، ونتعرف عن أسباب الوهن والهزيمة فنتجنبها، كي يُكتب لنا النصر على هذا المخلوق العجيب والخطير، أو على الأقل نقاوم أسلحته ونرد هجماته حتى لا نسقط صرعى في وحل إغراءاته وشهواته، فنكون من الخاسرين والهالكين، ونكون سبباً لتعطل واجبات الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، التي من أجلها كرّمنا الله تعالى لنتميز عن باقي الخلائق وعلى بقية الأمم، فنفوز برضوانه وجناته، ﴿ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
كتبها أبو سعد العاملي في 10:37 صباحاً ::
اللهم جنبنا الشيطان و مكائده و نعوذ بالله ان يكون له علينا سلطان
(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ...)
و هذا هو الحل ان نكون عبادا لله حقا لا عباد اهواء و نعرات تجعلنا فريسة سائغة لابليس و جنده انسهم و جنهم
جزاك الله خيرا سيدي على الموضوع
الاسم: أبو سعد العاملي
